فخر الدين الرازي
135
القضاء والقدر
على المفعول أولى . وذلك لأن المقصود في هذه الآية تزييف مذهبهم في عبادة الأصنام ، لا بيان أنهم لا يوجدون أفعال أنفسهم . لأن الذي جرى ذكره في أول الآية إلى هذا الموضع هو مسألة عبادة الأصنام ، لا مسألة خلق الأعمال . والجواب : أما قوله : « إضافة العبادة ، والنحت إلى العباد ، يدل على كون العبد محدثا » فجوابه : سيجيء عند الجواب عن شبههم العقلية . وقوله : « لا نسلم أن هذه الكلمة في تقدير المصدر » قلنا : هذا مذهب « سيبويه » وقوله حجة . وأما الآيات التي أوردوها ، فنحملها على المجاز . وقد بيّنا في أصول الفقه أن المجاز خير من الاشتراك « 1 » ، وقولهم يقتضي كون هذا اللفظ مشتركا بين المصدر وبين المفعول . واللّه أعلم . الحجة الحادية عشر : قوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ « 2 » فقوله : أَلا لَهُ الْخَلْقُ يفيد أنه لا خلق إلا للّه . وغاية ما في الباب : أنا خالفناه هذا الظاهر ، في قوله تعالى : وَالْأَمْرُ لدليل قام عليه ، فوجب أن يبقى هذا الحصر معتبرا في جانب الخلق . الحجة الثانية عشر : قوله تعالى : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً « 3 » وأفعال العباد موجودة في ذواتهم ، وذواتهم موجودة في الأرض . والموجود في الموجود في الشيء ، موجود في الشيء . فصح أن أفعال العباد موجودة في الأرض . فقوله تعالى : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يدل على كونه تعالى خالقا لأعمال العباد . فإن قيل : أهل اللغة نصوا على أن كلمة « في » للظرفية . وإنما يدخل في هذه الآية : ما يكون حاصلا في الأرض ، حصول المظروف في الظرف . وهي الأشياء المودعة في الأرض . كالحيوانات والجمادات . أما أفعال العباد ، فهي أعراض ، ولا حصول لها في الأرض ، على وفق حصول المظروف في الظرف ، بل على وفق حصول العرض في المحل . سلمنا : أن كلمة « في » تتناول ما يحصل في الشيء ، حصول الدرّة في الحقّة . وما يحصل في الشيء حصول العرض في المحل . إلا أن هذين المعنيين معنيان مختلفان بالماهية ، فكان لفظ « في » بالنسبة إلى هذين المفهومين ، لفظا مشتركا . وحمل اللفظ المشترك على كل مفهومية غير جائز « 4 » .
--> ( 1 ) راجع مبحث ( المجاز أولى من الاشتراك ) في المحصول للرازي 1 / 154 ؛ التحصيل من المحصول للأرموي 1 / 243 ؛ وشرح تنقيح الفصول ص 121 ؛ الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي 1 / 326 ؛ نهاية السئول للإسنوي 2 / 181 ؛ إرشاد الفحول ص 26 . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 54 . ( 3 ) سورة البقرة الآية 29 . ( 4 ) « المشترك هو اللفظ الموضوع للدلالة على معنيين فأكثر » وعرّفه السرخسي بأنه كل لفظ يشترك فيه معان أو أسام لا على سبيل الانتظام بل على احتمال أن يكون كل واحد هو المراد به لا على الانفراد وإذا تعين الواحد مرادا به انتفى الآخر » -